الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
286
مناهل العرفان في علوم القرآن
المكافأة متى كان أهلا للاجتهاد وإن أخطأ ، لأن الإنسان ليس في وسعه أن يكون معصوما من الخطأ . بل المجتهد يخطئ بعد أن يبذل وسعه في طلب الصواب وهو يتمنى ألا يخطئ بل وهو يخشى أشد الخشية أن يخطئ ، واللّه تعالى يقول : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وعلى هذا قررت شريعتنا السمحة أن المجتهد له أجر إن أخطأ وأجران إذا أصاب . روى الجماعة كلهم حديث « إذا حكم الحاكم في شئ فاجتهد ثم أصاب فله أجران . وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد » بل كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعطى أمراء الجيوش والسرايا حق الحكم بما يرون فيه المصلحة ، ويقول للواحد منهم : وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم اللّه فلا تنزلهم على حكم اللّه ، ولكن أنزلهم على حكمك ؛ فإنك لا تدرى أتصيب فيهم حكم اللّه أم لا » رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة . ولا ريب أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان في موضع الإمامة الكبرى للخلق فكان من حكمة اللّه أن يجتهد ليقلده الخلق في الاجتهاد ، وأن يخطئ في بعض الأمور لئلا يصرفهم خوف الخطأ في الاجتهاد عن الاجتهاد ، ما دام أفضل الخلق على الإطلاق قد أخطأ ومع خطئه لم يمتنع عن الاجتهاد ، بل عاش طوال حياته يجتهد في كل ما لم ينزل عليه فيه وحى ، حتى يتقرر في الناس مبدأ الانتفاع بمواهب العقول وثمار القرائح ، ويتحرر الفكر البشرى من رق الجمود والركود . . ثم كان من حكمة اللّه أيضا أن يقف رسوله على وجه الصواب فيما أعوزه فيه الصواب ليعلم الناس أنه ليس كأحدهم ، ولا أن اجتهاده كاجتهادهم ، بل اجتهاده حجة دونهم ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم مؤيد من لدن ربه ، يتولاه مولاه دائما حتى لا يقره على خطأ في الأمور الاجتهادية . وهنا يزداد الذين آمنوا إيمانا به ، وثقة بكل ما صدر عنه . ثم يقتدرون به في وجوب الخضوع للحق إذا ظهر ، كما كان الرسول يخضع له ويعلنه ويعلن خطأه فيما أخطأ فيه لا تأخذه العزة بالإثم ، ولا تلويه العظمة عن حق ، بل هنا سر العظمة وسر النهضة وسر تربية الأمة بالقدوة . لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً .